سيد محمد طنطاوي
213
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
والظاهر أن الرأي الأول الذي يقول إن * ( كُنْتُمْ ) * هنا من كان التامة هو أقرب الأقوال إلى الصواب « ويليه الرأي الثاني الذي يرى أصحابه أن » كنتم « هنا من » كان « الناقصة إلا أنها هنا تدل على تحقق شيء بصفة في الزمان الماضي من غير دلالة على عدم سابق أو لا حق . والخطاب في هذه الآية الكريمة بقوله - تعالى - * ( كُنْتُمْ ) * للمؤمنين الذين عاصروا النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ولمن أتى بعدهم واتبع تعاليم الإسلام إلى يوم الدين . ولذا قال ابن كثير : والصحيح أن هذه الآية عامة في جميع الأمة . كل قرن بحسبه ، وخير قرونهم الذين بعث فيهم رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ثم الذين يلونهم ، كما قال - سبحانه - في الآية الأخرى وكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً . وقد وردت أحاديث متعددة في فضل هذه الأمة الإسلامية ، منها : ما جاء في مسند الإمام أحمد وفي سنن الترمذي وابن ماجة من رواية حكيم بن معاوية بن حيدة عن أبيه قال : قال رسول اللَّه - صلَّى اللَّه عليه وسلَّم - أنتم توفون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على اللَّه - تعالى - » « 1 » . والمعنى : وجدتم يا معشر المسلمين العاملين بتعاليم الإسلام وآدابه وسنته وشريعته خير أمة أخرجت وأظهرت للناس ، من أجل إعلاء كلمة الحق وإزهاق كلمة الباطل ، ونشر الإصلاح والنفع في الأرض . وقوله * ( خَيْرَ أُمَّةٍ ) * خبر كنتم على أنها من كان الناقصة . وجملة * ( أُخْرِجَتْ ) * صفة لأمة ، وقوله * ( لِلنَّاسِ ) * متعلق بأخرجت ، وحذف الفاعلي من * ( أُخْرِجَتْ ) * للعلم به أي : خرجها اللَّه - تعالى - لنفع الناس وهدايتهم إلى الصراط المستقيم . فالجملة الكريمة تنوه بشأن الأمة الإسلامية وتعلى من قدرها ، فهل تعى الأمة الإسلامية هذا التنويه من شأنها وذلك الإعلاء من قدرها فتقوم بدورها الذي اختاره اللَّه لها ، وهو نشر كلمة التوحيد في الأرض وإحقاق الحق وإبطال الباطل شكرا اللَّه - تعالى - على جعله إياها خير أمة أخرجت للناس ؟ ؟ . إن واقع المسلمين الملئ بالضعف والهوان ، والفسوق والعصيان يدمى قلوب المؤمنين الصادقين ، ويحملهم على أن يبلغوا رسالات اللَّه دون أن يخشوا أحدا سواه حتى تكون كلمته هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى .
--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 1 ص 391 .